محمد بن وليد الطرطوشي

233

سراج الملوك

وكان يقال : من كثرت استشارته ، حمدت إمارته . وفي حكم الهند ، قال بعض الملوك : إن الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة « 1 » ، كما يزداد البحر بموادّه من الأنهار ، وينال بالحزم والرأي ما لا يناله بالقوّة والجند ، ولم تزل حزمة الرجال يستحلون مرائر « 2 » قول النّصحاء ، كما يستحلي الجاهل المساعدة على الهوى . وقال المأمون لطاهر بن الحسين « 3 » : صف لي أخلاق المخلوع - يعني أخاه الأمين - فقال : كان واسع الصدر ، ضيّق الأدب ، ينتج من نفسه ما تأباه همم الأحرار ، لا مصغيا إلى نصيحة ، ولا يقبل مشورة ، يستبد برأيه فيرى سوء عاقبته ، فلا يردعه ذلك عما يهمّ به قال فكيف حروبه ؟ قال : يجمع الكتائب بالتبذير ويفرّقها بسوء التدبير ، فقال المأمون : لذلك ما حلّ محلّه ، أما والله لو ذاق لذاذة النصائح واختار مشورة الرجال ، وملك نفسه عند شهوتها ، ما ظفر به . وقال بعضهم : إنقاذ الملوك الأمور بغير رويّة كالعبادة بغير نية ، ولم تزل العقلاء على اختلاف آرائهم ، يشهدون العيوب ، ويستثيرون صواب الرأي من كل أحد ، حتى الإمعة الوعك « 4 » . هذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي . وكان يقال : من أعطي أربعا لم يمنع أربعا : من أعطي الشكر لم يمنع المزيد ، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول ، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة ، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب . وقال بعضهم : خمير الرأي خير من فطيره ، وتأخيره خير من تقديمه .

--> ( 1 ) الحزمة : جمع حازم . ( 2 ) مرائر : جمع مر . ( 3 ) طاهر بن الحسين : من كبار الوزراء والقواد ، أدبا وحكمة وشجاعة ، وهو الذي وطد الملك للمأمون بن الرشيد ، الخليفة العباسي ، حيث أنه هو الذي قتل الأمين لما مات الرشيد وعقد البيعة للمأمون ولذلك بقي في نفس المأمون شيء عليه لأنه قتل أخاه دون استشارته ولعله شعر بذلك فقد قطع خطبة المأمون لما استقر في خراسان فقتله أحد غلمانه في تلك الليلة سنة 207 ه . ( الأعلام 3 / 221 ) . ( 4 ) ورد ذكر الإمعة في الحديث وهو الذي يكون مع الناس إن أحسنوا أحسن وإن أساءوا أساء والوعك هو الذي أصابته وعكة وشدة وفي ( خ ) الأمة الوعكاء .